العيني
176
عمدة القاري
( بيان لطائف إسناده ) ومنها : أن رجاله كلهم مدنيون ما خلا عبد الله . ومنها : أن فيه التحديث والإخبار والعنعنة . ومنها : أن في رواية الأكثرين : أخبرنا مالك ، وفي رواية الأصيلي : حدثنا مالك بن أنس ، وفي رواية كريمة : مالك بن أنس ، والحديث في الموطأ . ( بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره : ) أخرجه هنا عن عبد الله عن مالك ، وأخرجه في البر والصلة عن أحمد بن يونس عن عبد العزيز بن أبي سلمة عن الزهري . وأخرجه مسلم هنا أيضا عن الناقدي ، وزهير عن سفيان ، وعن عبد الله بن حميد عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري ولم يقع لمسلم لفظة : دعه ، وأخرجه أبو داود والترمذي والنسائي أيضا . ( بيان اللغات ) : قوله : ( مر علي رجل ) يقال : مر عليه ومر به ، بمعنى واحد . أي : اجتازه ، وفي ( العباب ) : مر عليه وبه يمر مرا ، أي : اجتاز ، وبنو يربوع يقولون : مر علينا بكسر الميم ، ومر يمر مرا ومرورا وممرا أي ذهب ، والممر موضع المرور أيضاً . والأنصار : جمع الناصر كالأصحاب جمع الصاحب ، أو جمع النصير كالأشراف جمع الشريف . قوله : ( يعظ أخاه ) أي : ينصح أخاه من الوعظ وهو : النصح والتذكير بالعواقب . وقال ابن فارس : هو التخويف والإنذار . وقال الخليل بن أحمد هو التذكير بالخير فيما يرق القلب . وفي ( العباب ) : الوعظ والعظة والموعظة مصادر قولك : وعظته عظة . قوله : ( دعه ) أي : أتركه ، وهو أمر لا ماضي له ، قالوا : أماتوا ماضي يدع ويذر . قلت : استعمل ماضي : دع ، ومنه قراءة من قرأ * ( ما ودعك ربك ) * ( الضحى : 3 ) بالتخفيف فعلى هذا هو أمر من : ودع يدع ، وأصل يدع : يودع ، حذفت الواو فصار : يدع ، والأمر : دع ، وفي ( العباب ) قولهم : دع ذا أي : أتركه ، وأصله ، ودع يدع ، وقد أميت ماضيه . لا يقال : ودعه ، إنما يقال : تركه ولا : وادع ، ولكن : تارك ، وربما جاء في ضرورة الشعر : ودعه ، فهو مودوع على أصله قال أنس بن زنينم . * ليت شعري عن خليلي ما الذي * غاله في الوعد حتى ودعه * ثم قال الصغاني : وقد اختار النبي صلى الله عليه وسلم أصل هذه اللغة فيما روى ابن عباس ، رضي الله عنهما ، أنه قال قرأ * ( وما ودعك ربك ) * ( الضحى : 3 ) بالتخفيف أعني ؛ بتخفيف الدال ، وكذلك قرأ بهذه القراءة : عروة ومقاتل وأبو حيوة وابن أبي عبلة ويزيد النحوي ، رحمهم الله تعالى . ( بيان الإعراب ) قوله : ( مر علي رجل ) جملة في محل الرفع لأنها وقعت خبرا ، لأن قوله : ( من الأنصار ) صفة لرجل ، والألف واللام فيه للعهد ، أي : أنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين آووا ونصروا من أهل المدينة ، رضي الله عنهم . قوله : ( وهو يعظ أخاه ) جملة اسمية محلها النصب على الحال . قوله : ( في الحياء ) يتعلق بقوله : يعظ ، قوله : ( ودعه ) جملة من : الفعل والفاعل والمفعول لأنها وقعت مقول القول ، قوله : ( فإن الحياء ) الفاء فيه للتعليل . ( بيان المعاني والبيان ) قوله : ( وهو يعظ أخاه ) يحتمل وجهين : أحدهما : أن يكون الرجل الذي وعظ أخا للواعظ في الإسلام ، على ما هو عرف الشرع ، فعلى هذا يكون مجازا لغويا ، أو حقيقة عرفية ، والآخر وهو الظاهر : أن يكون أخاه في القرابة والنسب ، فعلى هذا هو حقيقة ، قوله : ( في الحياء ) فيه حذف ، أي : في شأن الحياء وفي حقه معناه أنه ينهاه عنه ويخوفه منه ، فزجره النبي صلى الله عليه وسلم عن وعظه ، فقال : دعه ، أي : اتركه على حيائه ، فإن الحياء من الإيمان . وقال التيمي : الوعظ الزجر ، يعني يزجره عن الحياء ، ويقول له : لا تستحي ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : دعه يستحي فإن الحياء من الإيمان ، إذ الشخص يكف عن أشياء من مناهي الشرع للحياء ، ويكثر مثل هذا في زماننا . وقال ابن قتيبة : معناه أن الحياء يمنع صاحبه من ارتكاب المعاصي ، كما يمنع الإيمان فسمي إيمانا كما يسمى الشيء باسم ما قام مقامه ، وقال بعضهم : الأولى أن نشرح يعني قوله : يعظ بما جاء عن المصنف في الأدب من طريق عبد العزيز بن أبي سلمة عن ابن شهاب . ولفظه : ( يعاتب أخاه في الحياء يقول إنك لتستحي حتى كأنه يقول قد أضربك ) . انتهى . قلت : هذا بعيد من حيث اللغة ، فإن معنى الوعظ الزجر ، ومعنى العتب الوجد . وفي ( العباب ) : عتبة عليه إذا وجد ، يعتب عليه ، ويعتب عتبا ومعتبا ، على أن الروايتين تدلان على معنيين جليين ليس في واحد منهما خفاء حتى يفسر أحدهما بالآخر ، غاية في الباب أن الواعظ المذكور وعظ أخاه في استعماله الحياء ، وعاتبه عليه . والراوي حكى في إحدى روايتيه بلفظ الوعظ ، وفي الأخرى بلفظ المعاتبة ، وذلك أن